قبل عشر سنوات، وبالتحديد في يناير 2015، نشر أحمد أمين أول فيديو على قناته على يوتيوب بعنوان «ازاي تزوغ من البيت في 30 ثانية» قدم من خلاله بأسلوب كوميدي نصائح إلى الأزواج لكيفية الخروج من المنزل دون اعتراض زوجاتهم. في نهاية الفيديو يرتبك أمين لمرور زوجته خلف الكاميرا وسؤالها عن سبب ارتدائه للجاكيت، فيجيبها بخفة دم: «لا أنا علشان لما بطلع في الفيديو ببرد بس».
كان هذا الفيديو القصير الذي لم يبلغ الثلاث دقائق، هو بداية لسلسة قصيرة من فيديوهات حملت نفس العنوان «في 30 ثانية» تتناول موضوعات ذات طابع اجتماعي بالأساس من قبيل «ازاي تخسر كرشك في 30 ثانية» أو «ازاي تقعدي جوزك في البيت في 30 ثانية» وأشهرها على الإطلاق فيديو «ازاي تكتب شعر عامية في 30 ثانية»، وهو الوحيد من بين هذه المقاطع الذي تجاوزت مشاهدته رقم المليون.
كانت هذه السلسلة القصيرة التي لم تتجاوز ستة مقاطع فيديو صنعها أمين على مدار أقل من أربعة أشهر، كافية للفت الأنظار إلى موهبته الفريدة من نوعها، لتبدأ بعدها رحلة فنية مميزة للغاية دفعت بصاحبها إلى مصاف النجوم وحجزت له مكانًا ثابتًا في أهم المواسم الدرامية وأكثرها جماهيرية في مصر والوطن العربي، موسم الدراما الرمضانية.
أحمد أمين من برنامج «البلاتوه» على قناة النهار
«أول طريقة مضمونة علشان خاطر تصنع كوميديا إنك تقفش التناقضات، شخص كده يكون مش شبه كل حاجة حواليك، التناقض ممكن يكون في الثقافة في البيئة، ممكن التناقض يطلع مثلًا من الوضع الاجتماعي، زي الغني اللي بيعيش وسط فقرا، أي تناقض في الحقيقة وراه إفيه، لأنه بيكسر المألوف وبيوريك حاجة نادر إنك تشوفها في الواقع وبيخلق موقف غريب، وبالتالي دي طريقة تجيب أفكار. هات متناقضين حاول تحطهم في سياق واحد، غالبًا هيطلعوا ضحك».
— أحمد أمين من برنامج «الورشة»
لم يكن من الصعب على المنتجين التقاط موهبة أحمد أمين، فلم ينقضِ العام حتى انتقل أمين من يوتيوب إلى شاشة التلفزيون فقدم في عام 2016 أول مواسم برنامجه الشهير «البلاتوه»، الذي حملت تتراته اسم أمين بطلًا ومشرفًا على فريق الكتابة.
اعتمد برنامج البلاتوه على حبكة بسيطة وبنية ثابتة مكونة من مجموعة فقرات. أحمد أمين، البطل، هو ممثل يجسد أدوار بسيطة في إعلانات تجارية. لكل حلقة موضوع معين يتم معالجته خلال فقرات الحلقة، بداية من الفقرة الأولى التي تأتي في صورة إسكتش أو موقف كوميدي يواجهه أمين في تصوير إعلان جديد. وفي الفقرة الثانية يظهر أمين جالسًا في غرفة الملابس (داخل البلاتوه) يحادث شخصًا آخر نادرًا ما تظهره الكاميرا، ثم يبدأ أمين في الاسترسال وإلقاء مونولوج طويل يعالج أيضًا موضوع الحلقة، بدون أي مقاطعة من الشخص الجالس أمامه أو بحوار قصير للغاية في بعض الأحيان.
ثم تعاد الكرة مرة أخرى، فنشاهد إسكتش جديد، وفي بعض الأحيان فقرة استعراضية بأغنية كوميدية، ثم فقرة أخيرة لمونولوج جديد يلقيه أمين من الوضع جالسًا. منذ البداية بدا أن بنية البلاتوه هي المنطقة الأكثر راحة لأحمد أمين والتي تنتعش وتستثار فيها موهبته الكوميدية، بل إنها الإجابة على سؤال: كيف تميز أسلوب أحمد أمين عن كل معاصريه من فناني الكوميديا؟
في الحقيقة لم يبتكر أحمد أمين أسلوبًا جديدًا ولكنه استطاع أن يستعيد أحد أبرز أشكال الكوميديا التقليدية ويبعثه من رقاد طويل وهو فن المونولوج.
المونولوج هي كلمة يونانية من مقطعين الأول «مونو» ويعني أحادي، والثاني «لوجوس» ويعني خطاب، وفي اجتماعهما يصبح المعنى الحرفي المباشر «الخطاب الأحادي». وفي فن المسرح عرف المونولوج بأنه شخص وحيد يقف على خشبة المسرح ويقدم خطابًا فرديًا، أو مناجاة ذاتية في التراجيديا، أما في الكوميديا فيؤدي عدد من الشخصيات المختلفة بأسلوب هزلي وساخر.
تطور فن المونولوج بشكل منفصل في صورة فقرة كوميدية يؤديها ممثل وحيد على خشبة مسرح، ومنه اشتق اسم «مونولوجيست» أي المؤدي الكوميدي الذي يقدم عرضًا فرديًا من المونولوجات والأغاني الكوميدية. وقد شهد هذا الفن رواجًا في مصر مطلع القرن العشرين من خلال فنانين مثل إسماعيل يس ومحمود شكوكو وثريا حلمي وغيرهم ممن يؤدون فقرات كوميدية في مسارح شعبية عرفت بالتياترو أي المسرح باللغة الإيطالية.
المونولوج هو أقرب الأشكال الكوميدية إلى أحمد أمين الذي يتمتع بموهبة كبيرة في ملاحظة السلوك والخطاب المجتمعي وتشريح التناقضات الكامنة فيه، وهو نفس الشكل الذي يشتهر في الولايات المتحدة والغرب عامة باسم Stand-Up Comedy أي الكوميديا من الوضع واقفًا. بل إن واحدًا من أول أدوار أمين في السينما هو تجسيد شخصية المونولوجيست في فيلم «الكنز» عام 2017. ولهذا كانت بنية برنامج البلاتوه هي أفضل الطرق لاستغلال موهبة أمين المتفجرة، من خلال مجموعة من الفقرات المكونة من مواقف كوميدية (إسكتش) وأغاني، وبالطبع العرض الفردي أو المونولوج، الاختلاف الوحيد عن الشكل التقليدي هو أن أمين اختار من البداية ومنذ بدأ سلسلة الفيديوهات القصيرة على موقع يوتيوب أن يؤدي المونولوج من الوضع جالسًا.
أحمد أمين من مسلسل «الوصية»
«الهزار اللفظي والكوميديا اللفظية، بتهزر من قلب الكلام اللي بيتقال. هل ده معناه إن الكوميديا اللفظية هي الألش؟ الكوميديا اللفظية أوسع بكتير جدًا من التلاعب بالكلام أو تبديل حرف مكان حرف أو إنك تقول كلام بنفس الوزن، الكوميديا اللفظية هي أي إفيه بيتقال كحوار مش على الموقف قوي، مثلًا السخرية من طريقة كلام حد أو اختياره لألفاظه، ده يعتبر كوميديا لفظية، حتى مثلًا الجملة بتاعة زمان اللي هي تخش لي قافية؟ دي كوميديا لفظية».
أحمد أمين من برنامج «الورشة»
بعد عامين وثلاثة مواسم ناجحة من برنامج البلاتوه، قدم أحمد أمين أول بطولة مشتركة له في مسلسل «الوصية» موسم رمضان 2018، رفقة أكرم حسني، أحد أبرز القادمين من الخلف، كما يقول التعبير الكروي.
اعتمد مسلسل «الوصية» على قالب الحبكة الدائرية، وهي حبكة رئيسية بسيطة تتفرع في قصص وحبكات فرعية ثم تعود مع نهاية كل خط فرعي إلى الأصل. تضمن هذه الحبكة التنوع الشديد في العوالم والشخصيات المساعدة وبالتبعية في المواقف الكوميدية التي يمكن أن تخرج منها، وهو ما يشبه ما قدمه أمين من قبل في البلاتوه في فقراته الكوميدية القصيرة، ولكن بالإضافة إلى ذلك أتاح «الوصية» لأمين أن يعيد اكتشاف نفسه على مستويين مختلفين.
في المستوى الأول، كان المسلسل فرصة جديدة لأحمد أمين لتقديم كوميديا الشخصية في مساحة مختلفة عن الشخصية التي لعبها في البلاتوه والتي لم تكن سوى محاكاة لشخصيته الحقيقة. لعب أمين في «الوصية» شخصية سامح أو سمسم، الموظف المثالي والصديق الوفي لإبراهيم أو إبُّو. لم يكن سمسم مجرد موظف مثالي، ولكنه كان شخصًا مثاليًا بريئًا يفترض حسن النية في الجميع. برع أمين في الأداء التمثيلي والجسدي لشخصية سمسم، بالاستعانة بكل الأدوات البصرية الممكنة من ملابس وإكسسوارات، وبدا وكأنه طفلًا اكتشف لتوه ملعبًا جديدًا لإطلاق طاقاته الإبداعية. لم يتخل أمين عن أدواته التي بنى عليها جماهيريته المتنامية خلال العامين السابقين، فلم يتوقف عن رصد التناقضات في السلوك واللغة ومعالجتها بشكل كوميدي بأسلوبه المميز ولكنه استخدمه في مساحة مختلفة.
أما المستوى الثاني فتمثل في الثنائية الناجحة التي كونها أمين مع أكرم حسني. منذ الحلقات الأولى للمسلسل بدا بكل وضوح مدى الانسجام والتناغم الذي غلف أداء البطلين. وبالتدريج أصبحت إحدى العلامات المميزة للمسلسل هي تلك الحوارات الجانبية التي تثار بين البطلين تعليقًا على الأحداث والشخصيات من حولهم، كل بأسلوبه الخاص. وبدا أيضًا وكأن هناك منافسة خفية بين النجمين في سرعة البديهة والتقاط التعليقات الساخرة بل والبناء على تعليقات بعضهما البعض، سيما وأنهما يتشابهان في الأسلوب إلى حد كبير، فكلاهما يعتمد على كوميديا الملاحظة، وكلاهما بارع في توظيف الموسيقى والغناء والتقاط الشفرات اللغوية التي تحمل من التناقض ما يثير عواصف متتابعة من الضحك.
في عام 2023، عاد أحمد أمين مرة أخرى إلى الحبكة الدائرية في مسلسله «الصفارة»، ولكن هذه المرة من خلال تجسيد عدد من الشخصيات المتنوعة بالإضافة إلى الشخصية الرئيسية، كما وجد ضالته في ممثل كوميدي شاب وموهوب هو طه دسوقي، ونجح هذا الثنائي في تكرار التجربة بحذافيرها وإن لم تكن بنفس درجة نجاح «الوصية». ولكن القاسم المشترك الرئيسي في تجربتي «الوصية» و«الصفارة» هي تقديم الكوميديا اللفظية بشكل مبتكر من خلال الحوار بين البطلين، أو ما يصفه أمين نفسه بالقافية، وهي مشاهد حوارية مطولة بين البطلين تتخلل القصص الفرعية ويتقمص فيها كل منهم شخصية من الشخصيات ليتكلم بلسانها، كما في إحدى حلقات «الوصية» عندما يتقمص أحمد أمين شخصية الأم التي تحاول إقناع ابنها باستذكار دروسه ومنعه من تشتيت نفسه، بينما يتقمص أكرم حسني شخصية الابن، ويتبادل الاثنان حوار كامل قائم على الكوميديا اللفظية والتلاعب بالألفاظ.
«قررت إن أنا أبقى ممثل كوميدي، فعملت فيديوز بتاعة 30 ثانية، جبت الموبايل لزقته على ضهر كرسي السفرة وقعدت في مكتبي، الكلام اللي بيجي على بالي بقوله مابعيدش الفيديو مابتفرجش عليه»
أحمد أمين من محاضرته في محادثات تيد
بعد نجاح «الوصية»، أو ربما استنادًا إلى هذا النجاح وما استتبعه من ارتفاع جماهيريته وثبوت أقدامه كنجم صاعد، حاول أحمد أمين استكشاف تجارب مغايرة وتجسيد أدوار مختلفة وبعيدة عن الكوميديا في مسلسلي «ما وراء الطبيعة» (2020)، و«جزيرة غمام» (2022).
في «ما وراء الطبيعة» وقع أمين في أسر شخصية رفعت إسماعيل التي كتبها الراحل أحمد خالد توفيق. الشخصية ذات الشعبية الجارفة بين الشباب والتي تكونت ملامحها في خيالهم الجمعي منذ سنوات المراهقة. طغت الملامح الشكلية للشخصية من مكياج وملابس وإكسسوارات ولازمات كلامية على أي فرصة للأداء التمثيلي، وأصبحت أقرب إلى السترة الحديدية التي انحبس أمين بداخلها. وفي «جزيرة غمام» استبدل أمين سترة بأخرى هي الهالة الروحانية والصوفية التي غلفت حوار الشخصية فاختنق الأداء تحت وطأة الصوت الهادئ والكثير من التنهيدات والجمل الحوارية التي تعيد تركيب وتصريف نفس الجذور اللفظية من الحب والعشق والرضا وخلافه.
وعلى الرغم من كل ذلك يمكننا أن نتلمس شخصية أمين وأسلوبه الكوميدي المميز في العديد من الهفوات التي تخرج عن محور الشخصية وطبيعتها لتذكرنا بأداءاته الكوميدية. فنجده في أحد مشاهد «ما وراء الطبيعية» يستحضر شخصية المونولوجيست أو مؤدي الاستاند كوميدي عندما يحاول التملص من أحد المواقف المحرجة قائلًا: «الكرافتة دي اختراع عجيب، يعني أنا متفهم القميص الجاكيت، ليهم أدوار، لكن دي إيه؟ حبل مشنقة بنلبسه بإرادتنا»، أو أحد مشاهد «جزيرة غمام» عندما يأتي موفد من الخديوي للشيخ عرفات ويحاول أن يجزيه عن حديثه معه بقطعة من الذهب فيرفضها الشيخ عرفات وينصح موفد الخديوي أن يمنحها لأهل جزيرة غمام فكلهم من الفقراء والمساكين، فيسأله الرجل: هم فقراء وأنت الغني؟ فيجيب الشيخ عرفات بأداء أحمد أمين: «مانا دلوك موزع دهب أها؟».
الشاهد من هذين المثالين أن أحمد أمين يعتمد بشكل كبير على العفوية في الأداء، أو كما يقول في محاضرته القصيرة في محادثات تيد: «الكلام اللي بيجي على بالي بقوله»، وهو ما يتضح أكثر من برنامجه الأخير «الورشة» الذي أنتجته منصة الجزيرة 360 في عام 2024.
يقوم البرنامج بشكل من أشكال التوثيق لعملية الكتابة أو بالأحرى الإشراف على ورشة الكتابة التي يقوم بها أحمد أمين في أعماله، حيث يجتمع أمين كل حلقة بمجموعة صغيرة من الكتاب الشباب يناقشون فيها كل جوانب الكوميديا ويحاولون الإجابة على سؤال: من أين يأتي الضحك؟ لتخرج الأفكار من هذه الإجابة، أو المحاولة على الإجابة في صورة اسكتشات جديدة تعتمد بالأساس على عفوية أمين في معالجة الموضوعات المجتمعية المختلفة، وموهبته الفريدة في تفكيك اللغة وتشريح تناقضتها. وفي حين أن هذه العفوية والموهبة الكوميدية الفريدة هي أكبر منابع نجاح تجربة أحمد أمين، إلا أنها تظل عائقًا أمام نفس التجربة، ونذيرًا بإصابتها بالاعتيادية الحتمية إلى الحد الذي يجعلها أقل قدرة على إثارة الضحك ولو بعد حين.
أحمد أمين من مسلسل «النُّص»
في موسم الدراما الرمضانية لعام 2025 قدم أحمد أمين تجربة جديدة بالكلية في مسلسل «النص»، حاول فيها الهروب من فخ الاعتيادية والخروج من منطقته المريحة الآمنة.
في مسلسل «النص» يعتمد أمين لأول مرة على الاقتباس من عمل أدبي، فيقدم شخصية عبد العزيز النص المقتبسة عن كتاب مذكرات نشال للكاتب أيمن عثمان، والتي نُشرت في عشرينيات القرن العشرين وتحكي عن صاحبها المعلم عبد العزيز النص الذي وهب حياته للنشل في تلك الحقبة من تاريخ مصر، وتعتبر المذكرات اعترافات حقيقية لنشال سابق عن أسرار مهنته وحياته في تلك الفترة قبل أن يقرر التقاعد.
في البداية لدينا هنا شخصية مثيرة لها عالمها الخاص بالإضافة إلى تغير السياق التاريخي الذي يمنح الحكاية بعدًا آخر أو بالأحرى تحديًا إضافيًا إذ تنتقل السردية من الشكل الكوميدي المباشر الذي يعالج قضايا مجتمعية معاصرة إلى شكل الإثارة المرتبط بنوع قصص النصب والاحتيال وربطها بالسياق التاريخي ونشاط مقاومة الاحتلال الإنجليزي في مطلع القرن العشرين. تبدو الحبكة البسيطة في قصة النشال التائب الذي يحاول التطهر من ماضيه ويتعرض لضغط شديد بعد القبض على أخيه الأصغر يضطره للعودة إلى حياة النشال وما يرتبط بها من مخاطرة، وفي خلال هذه الرحلة يتنامى داخله اهتمام جديد بمسألة الاحتلال ويكتسب رؤية جديدة لمفهوم المقاومة.
هذا ما وعدت به الحبكة في الحلقات الأولى المؤسسة لعالم المسلسل، غير أن السرد ينحرف عن ذلك المسار المرسوم وينتج عنه اضطراب شديد في الإيقاع نتيجة الانغماس في إغواء حيل النصب والاحتيال بعد تكوين العصابة أو الفرقة التي ستتورط رغمًا عنها في مقاومة الاحتلال، أو كما تقول شخصية إسماعيل في إحدى الحلقات بعد تفجير أحد معسكرات الإنجليز بالخطأ: «قضيت على الاحتلال من غير ما أقصد».
في المحصلة النهائية حقق مسلسل «النص» نجاحًا لا بأس فيه، كما جاءت أغلب حلقاته خفيفة وكوميدية ولكن التجربة نفسها فشلت في مسعاها الذي أقررته منذ البداية، فلم ينجح أمين من خلالها في الخروج من منطقته الآمنة بالفعل، بل إن هذه الحلقات الخفيفة والكوميدية لم تكن كذلك إلا عبر العودة إلى تلك المنطقة الآمنة ذاتها. بل إن مكمن موهبة أمين قد انقلب عليه رغمًا عنه حتى وإن أثار الضحك في هذه الحلقات.
يتجسد هذا الأمر بجلاء في لغة الحوار والتي جاءت معاصرة إلى حد كبير وبعيدة عن لغة السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث، وربما باستثاء وحيد هو شخصية الصاغ علوي التي يجسدها صدقي صخر بلغة وأداء تمثيلي متزن إلى حد كبير مقارنة بباقي أبطال العمل. يبدو جليًا أن أسلوب أمين طغى لغة الحوار في المسلسل، سيما مع لجوئه المتكرر لألعابه اللفظية من ابتكار لازمة كلامية للشخصية مثل «يا دعوة أمي» أو «إنتو عارفين ليه سموني النص؟»، أو الإتيان بتصريفات وابتكارات لغوية تتحول مع التكرار إلى نكات ضمنية في المسلسل، مثل الإشارة إلى عمليات النصب بلفظة «سأسوءة» بتصريفاتها المختلفة، أو معالجة جملة شعبية معاصرة مثل «دي وسعت منك» لتحمل روح السياق التاريخي بتحويلها إلى «دي اتسعت منك». وهو ما لجأ إليه أمين في أعمال سابقة مثل لازمات «متيسرة» و«هنليسها» في مسلسل «الوصية»، أو «إنتو عاملين حالة جميلة قوي» في «الصفارة»، وغيرها من الألاعيب اللفظية التي اشتهر بها أمين.
بل إن أمين في مسلسل «النص» لا يستطيع الفكاك من إغواء الخروج على طبيعة الشخصية واستحضار شخصية المونولوجيست في الكثير من الأحيان كما يفعل في أحد المشاهد عندما يذهب إلى عزاء معلمه ويتبادل السجال اللغوي مع أحد الحاضرين عندما يحاول مواساته بتعبير شعبي شهير مثل «مانجيلكش في حاجة وحشة يا معلم نص» لتكون إجابة الشخصية النابعة من أحمد أمين وليس النص: «ليه ماتجليش في حاجة وحشة؟ ماتبقاش راجل لو مجتش. عايز تجيلي في الحاجات الحلوة بس يعني؟» فيحاول الرجل توضيح مقصده بتعبير شعبي آخر: «أنا قصدي يعني محدش يعزيك» لتأتي الإجابة مرة أخرى من أحمد أمين وليس النص: «ليه محدش يعزيني؟ هتسيبوني واقف في العزا بطولي؟ منبوذ؟ يبقى ميت لي ميت ومنبوذ في ذات الوقت؟».
في النهاية لا يقدم مسلسل النص تجربة جديدة أو مختلفة عن ما اعتاد أمين تقديمه، رغم أن البداية كانت مبشرة ومؤذنة برغبة صادقة في التجديد والخروج من المنطقة الآمنة، ولكنه لا يزال عملا كوميديًا جيدًا على أقصى تقدير، وإن كان أقل مما تعد به موهبة أمين، الذي لا تزال تجربته تدور في فلك الكوميديا اللفظية -وإن كانت ذكية ومبتكرة- ويفتقد للكثير من الإمكانات الكامنة في أنواع أخرى مثل كوميديا الموقف والكوميديا البصرية وكوميديا الشخصية، وكل ذلك لن يتأتى إلا بالخروج من المساحة الآمنة ومن شكل المونولوج والكوميديا من الوضع جالسًا.
# دراما رمضان 2025 # مسلسلات رمضان # مسلسل النص # أحمد أمين # دراما رمضان